تاريخ الحكام و السلالات الحاكمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الرجوع إلى الصفحة الأولى مسرد بقائمة البلدان و المناطق الجغرافية، الوارد ذكرها في الموقع مسرد بقائمة السلالات الحاكمة مسرد بقائمة الحكام مسرد بقائمة المدن، الوارد ذكرها في الموقع مسرد الخرائط سجل الزوار و الملاحظات
تاريخ اليابان
  مقدمة
  فترة "جُمون"
  فترة "يايوئي"
  فترة "كوفون"
  فترة "أزوكا"
  فترة "نارا"
  فترة "هيي-آن"
  فترة "كاماكورا"
  فترة "موروماشي"
  فترة "أزوشي موموياما"
  فترة "إيدو"
  فترة "مايجي"
 
 

"فترة إيدو" (江戸時代)
(1603-1868 م.)

 تعتبر هذه الفترة آخر الفترات من تاريخ بلاد اليابان القديم، مهدت هذه الأخيرة لقيام فترة (أو عهد) "مييجي"، وقد اعتبرت هذه بداية التاريخ الحديث للبلاد.

في سنة 1603 م، خلع البلاط الإمبراطوري على "توكوغاوا إيئه-ياسو" (徳川 家康) لقب الـ"شوغون". كان ذلك تتويجا لمرحلة استعادت بعدها البلاد وحدتها السياسية. قام ثلاثة من الزعماء الكبار بأعباء هذه المهمة، وقد عرفت الفترة التي شهدت أحداث الوحدة باسم فترة "آزوشي-موموياما" (安土桃山時代).

بدأ "توكوغاوا إيئه-ياسو" (徳川 家康) عهده بحركة أراد من خلالها أن يضمن لسلالته البقاء في السلطة. قام ومنذ 1605 م بالتنازل عن السلطة لصالح ابنه، لم يكن الأمر في الواقع إلا مناورة جديدة كان "إيئه-ياسو" في الواقع يسيطر على كافة مناصب اتخاذ القرار، كما كان يشرف بنفسه على صياغة القوانين ووضع المراسيم. وقد استمر على سيرته حتى وافه الأجل. قضى سنة 1615 م على أبناء "هيده-يوشي" عندما غزا قلعتهم في "أوساكا". اتخذ لحكومته مقرا جديد في "إيدو" (江戸) (اليوم: "طوكيو")، أصبحت المدينة بعدها أكبر وأغنى المدن في البلاد. اتخذ سلسلة من الإجراءات لإصلاح النظامين السياسي والاقتصادي، الشيء الذي مكنه من أن يبسط سيطرته على البلاد. عند وفاة "إيئه-ياسو"سنة 1616 م، كانت اليابان قد أصبحت وحدة سياسية، كما أصبحت تتمتع بنظام سياسي مستقر.

 مهدت سياسة الحكم التي أرسى دعائمها "إيئه-ياسو" الطريق أمام سلالته (الـ"توكوغاوا") للبقاء أكثر من ثلاثة قرون من الزمن. عرفت اليابان أثناء عهد أسرة الـ"توكوغاوا" ولأول مرة منذ قرون عدة نوعا من الاستقرار السياسي، كما عم البلاد الأمن.


قصر "هيمه-جي" أو "هيمه-جي جو" أيضا (姫路城): أحد أشهر المعالم المعمارية في اليابان أثناء فترة "إيدو"،  شرع في تشييده منتصف القرن الـ14 م. يقع في شرقي "كيوتو"، تم الانتهاء من بناءه عام 1608 م. أطلق البعض عليه تسمية "قصر اللقلق الأبيض" بسبب لون جدرانه الأبيض ، صنف المعلم ضمن التراث العالمي.

تشكل النظام الجديد، شوغونية الـ"توكوغاوا"

كانت نظام الحكم يرتكز على شخصية الـ"شوغون"، أصبح الأخير أكثر غنا وأكثر قوة من بقية الزعماء الإقطاعيين الـ"دائي-ميو" (大名)، يعد في جيشه أكثر من 80.000 شخص، كما يبسط سيطرته المباشرة على المدن الكبرى، الموانئ المهمة في البلاد، الطرقات والمعابر الرئيسة وغيرها. يحكم الـ"شوغون" بمفرده، يساعده مجلس مؤلف من وزراء دولة أو "روشو" ومجموعة من المستشارين أو "واكاشيدوري". كما يساعده في مهامه محافظ "إيدو"، القائم على شؤون المالية، وآخر على الشؤون الدينية... في بداية عهد فترة "إيدو" كانت اليابان تعد 270 من الـ"دائي-ميو" (الزعماء الإقطاعيون)، كانوا يتوزعون على ثلاث مجموعات:
  • - "شنبان دائي-ميو": أكثرهم من عشيرة وأبناء "إيئه-ياسو"،
  • - "فودائي دائي-ميو": أكثرهم من الحلفاء المواليين للأسرة الحاكمة،
  • - "توزاما دائي-ميو" من الحلفاء الذين تم إخضاعهم بعد فترة 1600 م، أغلبهم تخشى شوكتهم.

الطبقات الاجتماعية

 بمجرد اعتلاءه سدة الحكم قام "توكوغاوا إيئه-ياسو" (徳川 家康) بإعادة تقسيم الأراضي والثروات كما قام بسن الطبقية في المجتمع الياباني. أصبح بالإمكان تمييز عدة طبقات على غرار طبقة المحاربين، الفلاحين، الصناع والتجار، نبلاء البلاط، رجال الكهنوت البوذيين (الرهبان) وخدام المزارات الشنتوية ثم طبقة أخيرة تعيش بمغزل عن المجتمع تعرف باسم "هينين" (يمكن ترجمتها بـ"المنبوذين").

طبقة المحاربين:

المحاربون أو الـ"بوشي" (武士)، ورجال هذه الطبقة يمكن أن يكونوا من الـ"دائي-ميو" (大名) وهم كبار الزعماء الإقطاعيين، الساموراي (侍) والذين يضعون أنفسهم في خدمة أحد الزعماء، أو الـ"رو-نين" (浪人) وهم من رجال الساموراي السابقين والذين انتهت مدة خدمتهم لسبب أو لآخر (عادة عند وفاة الزعيم).
 

يتحكم رجال هذه الطبقة في رقاب الأفراد من الطبقات الأخرى، إلا أن الدماء لا يمكن إراقتها بهذه السهولة. يتبع كل منهم نظاما قائما على أساس الموالاة (من الولاء)، كل فرد يتبع آخرا أعلى رتبة منه وهكذا دواليك حتى أعلى الهرم. لكل منهم الحق في أن يمتلك معقلا له ولعشيرته (قد يتملك أراض بطريقة مباشرة، أو قد يكون له الحق فقط في الاستفادة مما تنتجه، كمحاصيل الأرز مثلا)، يتوجب عليهم في المقابل أن يبدو السمع والطاعة اتجاه أسيادهم وزعمائهم وأن يهبوا حياتهم إذا توجب الأمر.


ثلاثة أشخاص يرتدون عدة المحاربين الـ"بوشي"

يمنع على الزعماء الكبار (الـ"دائي-ميو") أن يشيدوا أكثر من قصر واحد في المقاطعة الأصلية، كما يتم استدعائهم إلى مقر الحكومة العسكرية (الـ"شوغونية") حتى يعلنوا ولائهم وطاعتهم للحاكم وفق تنظيمات خاصة بالمحاربين تعرف باسم "بوكي شوهودو" (وضعت سنة 1615 م). منذ سنة 1635 م أصبحوا مجبرين على ترك أبنائهم (كرهائن) في العاصمة "إيدو" (اليوم "طوكيو")، كما توجب عليهم الإقامة بأنفسهم عاما كاملا كل سنتين فيها. عرف هذا النظام الفريد من نوعه باسم "سان-كين كونائي" أو "الإقامة المتناوبة".

طبقة الفلاحين:

يشكل الفلاحون، سواء كانوا من صغار الملاك أو الكادحين البسطاء، الأكثرية في تعداد السكان في بلاد اليابان أثناء فترة "إيدو"، وعلى هذا أخضع أفراد هذه الطبقة إلى نظام أكثر شدة. كان يمنع عليهم اقتناء، بيع أو إهمال الأراضي التي يقومون بزراعتها، كما لا يحق لهم زرع أصناف أخرى من المزروعات غير تلك التي تم تقييدها في السجلات العقارية.

كانت هذه التدابير تهدف إلى منع قيام طبقة جديدة أكثر ثراء من بين ملاك الأراضي، كما كان يراد منها تعطيل عادة قديمة متبعة بين بعض من أبناء الشعب الياباني التواق إلى السفر (كان ذلك مهربا لهم من حياتهم اليومية المتعبة والشقية)، كان بعضهم يدعي أنه سيقوم برحلة حج إلى إحدى المزارات المشهورة، ثم لا يلبث أن يختفي، ممضيا بقية حياته متسكعا في الطرقات، يتمثل قوت يومه الوحيد في الصدقات التي يدفعها إليه بعض أصحاب القلوب الرحيمة.

طبقة الحرفيين والتجار

مع بداية القرن الـ16 م (1500 م) أخذ أفراد هذه الطبقة يتزايد باضطراد، كانت هذه تجمع بين أفرادها حرفيين وصناع من شتى المجالات بالإضافة إلى الأفراد المشتغلين بالتجارة. كان تنوع أفرادها من العوامل التي صعبت السيطرة عليها. غالبا ما كان أصحاب كل نشاط يقومون بإدارة أنشطتهم بأنفسهم. قام العديد من القرويين والذين تقع قراهم على واجهة البحر، بتنظيم نشاط الصيد وكذا عملية استخراج الملح البحري. وفي الجبال البعيدة تشكلت تجمعات تظم كل من يمتهن الحطابة، ثم أخذ أفرادها ينظمون عملية استخراج الحطب وعلى حسب الاحتياجات القائمة. وفي نفس الفترة أخذ نشاط استغلال المناجم يأخذ مكانه بين النشاطات التقليدية الأخرى التي كانت معروفة آنذاك.

كانت المدن (على غرار القرى والأرياف) تعرف نشاطا لا يكاد يهدأ. عرف نشاط صناعة النسيج نموا سريعا، وشملت الحيوية أنشطة أخرى، كصناعة الفخار، صناعة الأصبغة ومواد الطلاء، صناعة الورق، وصناعة الجعة (نوع من الخمور). مع تطور الصناعة المحلية بدأ النشاط التجاري يعرف حيوية بدوره، كان لتحسن نظام المواصلات في البلاد دوره الكبير في ذلك. أخذت الأسواق تظهر في العديد من نواحي البلاد، كانت هذه الأخيرة تشكل المحور الذي يصاحب ظهور تجمعات من السكان، ثم ما لبثت أعداد هؤلاء تتزايد حتى تشكلت تجمعات سكانية كبيرة. كانت "أوساكا" من أكبر مدن البلاد، كان أغلب تجار الجملة في اليابان يتخذونها مركزا لنشاطاتهم، كان ذلك مؤشرا لظهور طبقة وسطى جديدة (البورجوازيون) من أصحاب الأموال، قام هؤلاء بإدخال أنماط جديد في التعاملات المالية اليومية، كالقروض البنكية، أو السندات المالية.

طبقة النبلاء ورجال الدين

قام النظام بوضع رجال البلاط تحت الرقابة الصارمة. منذ سنة 1615 م تم سن ستة عشرة (16) من القوانين الخاصة بأبناء هذه الطبقة. كان النبلاء من رجال البلاط ملزمين بالتقيد بدراسة الآداب والعلوم الأخرى والامتناع عن ممارسة كل نشاط له علاقة بحمل السلاح. تم إقرار العديد من التنظيمات التي حصرت مجال نشاطات المعابد والأديرة كما أعيد تنظيم المدارس الدينية، كان الهدف من ذلك الحد من القوة المالية والروحية لهذه الطبقة. بعد فترة أولى ساد فيها التسامح، قام الشوغونات بمنع المسيحية في البلاد، كما شنوا حملة مطاردة، تم فيها اضطهاد العديد من أتباع هذه الديانة الجديدة.


أحد المعابد البوذية في "إيدو": منحوتة على الخشب ح 1800 م

العزلة وإنغلاق البلاد

كان الـ"شوغونات" يرون أنه يتوجب عليهم ولضمان استقرار سياسي واجتماعي في البلاد، أن يتحكموا في حركة انتقال الأشخاص. كانت الفكرة تقضي بأن يتم إغلاق كل منافذ البلاد (اليابان) على الخارج، ومنع السكان من التواصل مع بقية العالم، وقد تم تطبيق هذه الفكرة منذ القرن الـ17 م (1600 م). لم تكن هذه الحركة دون أن تلاقى صدى لدى الأجانب وبالأخص الأوروبيين، كان الإنجليز الأكثر إصرارا على كسر طوق الحظر، كانت لهم سفارات عديدة كما اشتركوا مع الفرنسيين ثم مع الروس علهم يفلحون في إقناع النظام بالعدول عن قراره، إلا أن هذه الجهود باءت كلها بالفشل.

منح الـ"شوغوات" السفن البرتغالية والهولندية تراخيص تجارية خاصة ، كان يسمح لها بالرسو مرة واحدة كل سنة في جزيرة "ديشيكا" بالقرب من "ناكاساكي" على السواحل اليابانية. كانت تجارة الحرير مع الصين يحتكرها البرتغاليون، وقد تمكن الـ"شوغونات" من جني فوائد كبيرة جراء ذلك.

العلوم الفكرية والثقافة والمجتمع اليابانيين في فترة "إيدو"

عم الأمن أرجاء البلاد، ونجحت الإصلاحات المالية التي تم اتخاذها كما ارتفع مستوى الإنتاجية في معظم القطاعات الاقتصادية الحيوية، كل هذه العوامل جعلت من فترة "إيدو" من أزهى الفترات التي عرفتها البلاد، أصبحت اليابان والتي كانت على موعد حاسم في تاريخها بلادا تريد أن تحتل مكانا محترما بين جيرانها.

أولى مراحل الإصلاح في هذه الفترة مست القطاع التعليمي، تم تنظيم المدارس وتقسيمها حسب الطبقات المعروفة في المجتمع. في كل منطقة كانت هناك مدارس خاصة بأبناء العشائر المحلية (ويطق عليها تسمية "هانكو" بالمحلية) والتي تنتظم في معاقل خاصة بها، كانت هذه الأخيرة (المدارس) تستقبل أبناء المحاربين ممن انضووا تحت لواء العشيرة المتزعمة للمعقل. كان أغلب أبناء الشعب من سكان المدن أو الأرياف يرتاد المدارس الدينية (أو "تيراكويا")، كانت هذه مفتوحة لأبناء الشعب وتخضع في تسييرها لأحدى المؤسسات الدينية التقليدية (دير، معبد، مزار ...)، والعلوم التي يتم تدريسها يغلب عليها الطابع الديني. قامت إلى جانب ذلك مدارس متخصصة في المدن الكبرى، كان روادها من أبناء كل الطبقات وكانت تدرس فيها فيها شتى أنواع العلوم والمدارك التي كانت معروفة في البلاد آنذاك.

كان لتطور نظام التعليم في البلاد أثره الإيجابي على الحياة الفكرية. ظهرت حركة جديد قام فيها جمع من المتمدرسين بعمل بحوث ودراسات شملت كامل البلاد ("كوكو غاكو" أو "الدراسات الوطنية"). أخذ هؤلاء الدارسين يبحثون في الكتابات القديمة، كان هدفهم استخراج كل النصوص التي تشبعت بالروح القومية اليابانية، فكان أن ازدهرت علوم اللغويات الببليوغرافية (الدراسة اللغوية للوثائق المكتوبة) وكذا علوم التاريخ. من رواد هذا الميدان يمكننا ذكر، "كامو نو مابوتشي" ع(1697-1769 م) و"موتو-أوري نوريناغا" والذين أصبحت أعمالها مرجعا لمن أتى بعدهما، فقد أعيد نشر ومناقشة العديد منها وبالأخص على يد "هيراتا أتسوتاني" ع(1776-1843 م). اهتم رجال الثقافة في هذا العصر بالعلوم الغربية أيضا، كانت هذه العلوم قد دخلت البلاد عن طريق التجار الهولنديين، من بين العلوم التي تناولها اليابانيين باهتمام كبير يمكننا عد: علم الفلك، الرياضيات وعلم الخرائط.

.


"الموجة الكبيرة في كاناغاوا" (ح 1830 م) لصاحبها "كاتسوشيكا هوكوساي" (葛飾北斎) ع(1760-1849 م): نموذج لفن الرسم على الخشب لفترة "إيدو"

كان انتشار أفكار الـ"كونفوشسيوسية الجديدة" من أهم ما ميز الحياة الفلسفية في اليابان أثناء فترة "إيدو"، ويعد "هاياشي رازان" ع(1583-1657 م) من أهم زعماء هذا التوجه الجديد. كان يركز في أفكاره على أهمية العلاقات القائمة بين الطبقات الاجتماعية، وأهمية احترامها، إلى قيمة الولاء والطاعة بين أبناء العشيرة الواحدة.

عرفت الفترة اهتمام واسعا بالروايات التاريخية، كانت في معظمها تنتهي بعبرة أو درس في الأخلاق. قام "هاياشي رازان" ع(1583-1657 م) بتصنيف تاريخ كبير للبلاد على هذه الشاكلة، كما تناول "أرائي هاكوسيكي" الفترة الأسطورية بالدراسة وأخضعها إلى ميزان علوم اللغويات الببليوغرافية.

مع تحسن المستوى المعيشي للسكان في المدن، وبالأخص "كيوتو" (京都) و"أوساكا" (大阪) ظهرت ثقافة شعبية خاصة بطبقة جديدة من البورجوازيين. من أهم مظاهر هذه الموجة الجديدة كان ابتداع مسرح العرائس أولا ثم مسرح الـ"كابوكي" (歌舞伎) على يد "شيكامتسو مونزا-إيمون" (近松 門左衛門) فيما بعد. إلى جانب المسرح عرف فن القصص الشعبي مرحلة ازدهاره مع كتابات "إيهارا سائي-كاكو"، كما برز "ماتسو باشو" (松尾芭蕉) كواحد من أهم أعمدة الشعر التقليدي الياباني المعروف باسم "هائيكو" (俳句).

.


مشهد لأحد العروض من مسرح الـ"كابوكي"

انهيار نظام الشوغونية

بعد وفاة ثالث الـ"شوغونات" من أسرة الـ"توكوغاوا"، قادت البلاد حكومة وطنية مؤلفة من مجلس من نخبة رجال البلاط، كانت الروح الكونفوشيوسية تقودهم في عملهم. قامت هذه الحكومة بسن العديد من القوانين للحد من مظاهر العنف التي ميزت المجتمع الياباني، تم أولا تعطيل العديد من الحالات التي يتم فيها اللجوء إلى الانتحار أو الـ"سيبوكو"، بعدها بعامين تم منع عادة قديمة يقوم فيها الجيران المتخاصمين باختطاف أفراد من العوائل الأخرى واستعمالها كالرهينة ثم المقايضة بها. أصبح العديد من المحاربين (على اختلاف رتبهم) ممن أعلنوا ولاء هم للنظام الـ"شوغوني" مجرد موظفين في الدولة، تدفع لهم رواتب على قدر مرتبتهم في سلم الوظائف وليس على قدر رتبهم العسكرية. على الرغم من الجهود التي بذلتها القيادة الجديد للبلاد، والإصلاحات التي تم اتخاذها، كانت مجريات الأحداث تنذر بالأسوأ، فمنذ النصف الثاني من القرن الـ"17" (1600 م) أخذت الثورات والانتفاضات الشعبية تزداد حدة وعنفا.

أصبحت موارد البلاد تتضاءل، كان النظام يعتمد على صادرات البلاد من الفضة، وكانت المقايضة تتم على أساس سعر الأرز، الذي كان يتهاوى. تم اتخاذ إصلاحات اقتصادية جديد قام بوضع خطتها أحد ألمع رجال السياسة في عصره "أرائي هاكوسيكي". إلا أن الأقدار أبت إلا أن تضاعف من حجم الخسارة، فتوالت الجوائح (الكوارث الطبيعية) على البلاد: الجفاف، الحرائق، الأوبئة، ثورات البراكين وأخيرا المجاعات.
 

انفتاح البلاد ألقسري

عام 1853 م يقوم أسطول من البحرية الأمريكية يقوده "ماثيو بيري" (Matthew Perry) بكسر طوق الحظر عندما دخل عنوة خليج "إيدو" ("طوكيو" اليوم). قام قائد البحرية الأمريكية بتقديم طلب رسمي يتضمن الموافقة على فتح موانئ ومنافذ البلاد الخارجية على التجارة مع الدول الخارجية. كان وضع النظام الـ"شوغوني" هشاً، وقد ساهمت المصاعب الاقتصادية ثم الأزمات السياسية في تعقيد الوضع أكثر. بعد أخذ ورد وافق النظام الياباني على توقيع اتفاقية "كاناغاوا" في مارس 1854 م. تم بموجبها فتح مينائي "شيمودا" و"هاكوداتي" على المبادلات التجارية، كما تم ترخيص المراكب الأجنبية بالتزود في الموانئ اليابانية عند حاجتها لذلك.
.


 قائد الأسطول الأمريكي"ماثيو بيري" مع فرقة من جنود البحرية يتم استقبالهم في قصر "شو-وي" بـ"إيدو" من طرف "الوصي" والذي كان يتقلد أعلى منصب في السلطة آنذاك: كان القائد الأمريكي قد وضع البلاط الـ"شوغوني" أمام الأمر الواقع، إما أن يتم استقباله وإما اللجوء إلى القوة، وأمام تفوق الجنود الأميركيين، لم يكن أمام البلاط بد من الرضوخ لطلبه.

بعد توقيع الاتفاقية الأولى بسنتين، عرفت البلاد مقدم القنصل الأمريكي الجديد "تاونزند هاريس"، (Townsend Harris) قام الأخير بإعداد مشروع وثيقة جديدة تهدف إلى فتح مواني جديد أخرى وكذا تسهيل التجارة وتحريرها من القيود. تمت إعادة توقيع الاتفاقية من جديد في يوليو من سنة 1858 م، وقد وقع عليها من الطرف الأجنبي كل من الولايات المتحدة أولا ثم تلتها كل من إنجلترا، فرنسا وأخيرا روسيا.

بعد وفاة الشوغون "إيئه-سادا" (徳川) ح(1853-1858 م)، دخلت البلاد أزمة سياسة عاصفة. كانت أطراف عديد تتنازع القرار السياسي، دخل كبار الزعماء من الـ"دائي-ميو" والذي شكلوا ما يعرف بالمحافظين في صراع مع جماعة كانت ترى وجوب الدفع بالبلاد إلى الأمام ومحاربة الركود القائم، كما دار صراع آخر بين جماعة من الذين كانوا يرون وجوب طرد الأجانب من البلاد (الوطنيين) وجماعة أخرى كانت تؤيد عملية انفتاح البلاد على الخارج. قادت كل هذه الأزمات نظام الـ"شوغونية" وببطء نحو الهاوية، كما عجلت بميلاد عهد جديد مع بداية ما عرف بفترة "مييجي" سنة 1868 م (سميت الفترة الانتقالية باسم "استعراش مييجي" نسبة إلى إعادة الإمبراطور إلى عرشه بعد أن كان يحكم البلاد صوريا). 

استعراش مييجي

عرف اليابان في الثلث الثاني من القرن الـ19 م (1800 م) وخلال هذه الفترة تحولات جذرية، سياسية واجتماعية، قادت هذه إلى إنهاء شوغونية أسرة الـ"توكوغاوا" وفترة "إيدو" التي صاحبتها، ودخلت البلاد بعدها الفترة المعاصرة من تاريخها.

تم في الـ3 من يناير 1868 م إعادة الإمبراطور أو الـ"تينو" إلى مكانه على رأس هرم السلطة في البلاد، كان الأباطرة ورغم أنهم حكموا البلاد بصورة مستمرة، مجردين من السلطة الفعلية، كانت هذه بين أيدي الشوغونات (راجع فترة كاماكورا و "ميناموتو نو يوريتومو"). قام المؤرخون بتعميم هذه التسمية (استعراش مييجي) فأصبحت تطلق على الفترة التي سبقت ومهدت هذا الأحداث ثم فترة الحروب الأهلية التي تلتها.

لم تكن الحركة التي حملت هذه التغيرات ثورة شعبية بالمعنى الذي نعرفه اليوم، اقتصر الصراع على أبناء طبقة واحدة (المحاربين). كرست هذه هيمنة المحافظين (قد يبدوا هذا اللفظ غريبا في يومنا) كان هؤلاء يدعون إلى إعادة النظام الإمبراطوري القديم. عرفت هذه الفترة الانتقالية بداية انفتاح اليابان على الخارج، وانطلاق عملية الإصلاحات.

تصاعد الحركات الاحتجاجية

مع حلول العشرية السادسة من القرن الـ19 (1860 م) دخلت البلاد مرحلة جديد من الصراعات. أصبح العديد من الجماعات تندد بالنظام الحاكم. قام النظام الشوغوني سنة 1858 م بتوقيع معاهدة تجارة جديدة مع القنصل الأميركي "تاوزند هاريس"، أدت ذالك إلى تأليب الجماعات التي كانت تعارض عملية فتح البلاد على الخراج (منذ 1854 م). في نفس السنة (1858 م) توفي الشوغون "إيئه-سادا" (徳川) ع (1824-1858 م) تبع ذلك خلافات حادة بين ورثته ثم تطور الأمر إلى بروز جبهتين بين رجالات الحكم، جبهة يغلب عليها الطابع المحافظ وترى إبقاء الأمور على حالها، وجبهة أخرى كانت تريد الإسراع في عملية إصلاح النظام الشوغوني.

أسفرت الجولة الأولى على انتصار المحافظين وتم تعيين "توكوغاوا إيئه-موتشي" (徳川 家茂) ع (1846-1866 م) شوغونا جديد. قاد رئيس المجلس الوطني "إيئي ناؤوسوكه" (1815-1860 م) ـ والذي كان الحاكم الفعلي للبلاد ـ سياسة متشددة اتجاه المعارضين للنظام. كان من عواقب ذلك أن توحدت كل قوى المعارضة في بلاد تحت راية واحدة وكان هدفها يلخصه الشعار التالي: "الطاعة لإمبراطور والطرد للأجانب". في حقيقة الأمر لم تكن قضية إعادة الإمبراطور إلى السلطة الشغل الشاغل لهذه الجماعات، كان أنصار هذه القضية يمثلون أقلية بين أفراد المعارضة، إلا أن الأغلبية كانت تتفق في كون ذلك ذريعة وسببا وجيها لتوحيد الصفوف ضد النظام الشوغوني.

تشكل التحالف ضد الـ"توكوغاوا"

سنة 1860 م يتولى "أندو نوبوماسا" (1819-1871 م) رئاسة المجلس، خلفا لـ"إيئي ناؤوسوكه". كان همه الأول أن يقرب إليه البلاط الإمبراطوري حتى يكسر شوكة أعداء النظام. كانت خطته تقضي بزواج الشوغون "إيئه-موتشي" من إحدى الأميرات من الأسرة الإمبراطورية. بعد أن أقنعه بعض مستشاريه وافق الإمبراطور "كوميي" (1831-1867 م)، كان الأخير ولترضية أنصاره قد وضع شرطا أساسيا للقبول بتلك التسوية: طرد الأجانب من البلاد.

أخذ العديد من رجال الساموراي ("كيدو تاكا-يوشي" (木戸孝允)، "أوكوبو توشي-ميتشي" (大久保 利通)، "سائيغو تاكا-موري" (西郷 隆盛) و"إيتو هيروبومي" (伊藤 博文)) في المعاقل الغربية ـ على غرار "تشوشو" (長州)، "ساتسوما" (薩摩) و"توسا" ـ  ينظمون أنفسهم، كان يحدوهم الطموح لبلدهم، وتجمعهم الرغبة في تحديثه وتزويده بجيش قوي، قاد هؤلاء الرجال حركات التمرد الأولى. كانت أغلبيتهم من القوميين إلى درجة التعصب. أرادوا طرد الأجانب من البلاد، وإجبار النظام الشوغوني على تنفيذ وعوده (بموجب القرارات التي تم توقيعها سنة 1863 م)، وجدوا هؤلاء ضالتهم في الانضمام إلى الجبهة التي كانت تطالب باسترجاع الحق الإمبراطوري. أمام إلحاح قادة المعاقل الغربية حاول الـ"باكوفو" (التسمية التي كانت تطلق على الحكومة الشوغونية) ربح المزيد من الوقت من خلال المفاوضات. إلا أن هذه لم تثمر، وبدأ المتمردون في شن هجمات على المراكب الغربية التي تحاول الاقتراب من سواحل البلاد.

قام النظام بتجهيز جيش كانت مهمته إخضاع المتمردين في معقل "تشوشو" (長州)، إلا أن هؤلاء استطاع صد هذه القوات. حاول الـ"دائي-ميو" (كبير الزعماء) في معقل "ساتسوما" أن يعرض على النظام حلا وسطا: تشكيل حكومة وطنية يتم انتخاب أعضائها من قبل الشوغون، الإمبراطور والزعماء الـ"دائي-ميو". إلا أنه وبعد ضغوطات مارسها عليه زعماء المتمردين في معقله، عدل عن رأيه ووافق بمضض على التحالف التي تم عقده سنة 1866 م مع معقل "تشوشو". كان كل من "كيدو تاكا-يوشي" و"سائيغو تاكا-موري" قد مهدا لهذه العملية منذ مدة.


الإمبراطور "مييجي" أو "مييجي تينو" (明治天皇)

ثم تسارعت الأحداث، فتوفى الشوغون "إيئه-موتشي" (徳川) في أغسطس من عام 1866 م وهو في ريعان شبابه، انتقل الأمر من بعده إلى "توكوغاوا يوشينوبو" (徳川慶喜) ع (1837-1868 م)، ثم توفي الإمبراطور في يناير من العام الموالي، فاعتلى ابنه "ماتسوهيتو" (睦仁) العرش وتلقب بـ"مييجي" (明治). أصبح الشوغون الجديد مجردا من السلطة كان الأمر في أيدي زعماء المقاطعات، وأمام زحف قوات معقلي الـ"تشوشو" والـ"ساتسوما" (薩摩) على العاصمة "إيدو"، كان من السهل على زعيم معقل الـ"توسا" (والذي انظم مؤخرا إلى التحالف الإمبراطوري، أن يقنع الشوغون بتقديم استقالته للإمبراطور. وافق "يوينوبو" على الفكرة، فقام يوم 19 نوفمبر 1867 م بالتنازل عن جميع سلطاته للإمبراطور.

قام أعضاء من المعاقل المتحالفة المنتصرة بتشكيل حكومة وطنية في "كيوتو"، أعلنت هذه (رسميا) يوم 3 من يناير 1868 م استعراش الإمبراطور وتقلده حكم البلاد. كما تم إلغاء منصب الـ"شوغون" ومصادرة الأراضي التابعة له. حرص أتباع الحركة على إعطاء صفة الشعبية على عملية انتقال السلطة، فتم إصدار مراسيم يضمن فيها حرية التعبير للشعب، بينما تم إقرار كل الاتفاقيات التجارية التي وقعها النظام السابق مع الأجانب.

الحرب الأهلية "بوشين" (戊辰戦争)

انتهت المرحلة الأولى من عملية انتقال السلطة بدون إراقة دماء، إلا أن المواجهات الأولى كان لا مفر منها وبالأخص مع الموالين من أتباع الشوغون المعزول وحاشيته. كان هؤلاء يخشون أن يتم تجريدهم من أراضيهم ومن ممتلكاتهم، فقاموا بتسليح أنفسهم. اندلعت حرب أهلية بين الطرفين عرفت باسم "بوشين سنسو" (戊辰戦争)، لم تشهد أحداثها وقوع خسائر كبيرة. كانت أغلب الأطراف تنادي بإصلاح المؤسسات وتريد تحديث البلاد.

اندلعت المعارك متعددة وفي أرجاء متفرقة من البلاد بين أنصار النظام القديم والحكومة الجديدة. تم إخضاع أتباع النظام السابق في وسط اليابان بعد هزيمة هذه القوات في "توبا" و"فوشيمي". تقدمت القوات الحكومية ـ والتي يتشكل أغلب تعدادها من المعاقل الغربية للبلاد ـ إلى العاصمة "إيدو"، فتسلمت مفاتيح القصر الشوغوني بدون أية مقاومة تذكر. خاضت هذه القوات في العام الموالي (1869 م) معارك متفرقة ضد قوات مشكلة من تحالف العديد من الـ"دائي-ميو" والذين انضووا تحت راية عشيرة الـ"آئيزو". آخر المتمردين والذين كان على رأسهم قائد الأسطول الشوغوني السابق "إيموتو تاكي-آكي" تم دحرهم في "هوكاداته" في شهر يونيو من السنة نفسها (1869 م) .


 رجال "ساموراي" من معقل "ساتسوما" (薩摩) يراجعون بعض الخرائط قبل إحدى المعارك، الصورة تعود إلى الفترة التي عرفت باسم حرب "بوشين" (戊辰戦争) ح 1869 م.

رغم أحداث الحروب التي عرفتها البلاد، تم إصدار مرسوم إمبراطوري بتاريخ 25 من فبراير 1869 م يعلن انتهاء عملية إعادة السلم في البلاد. في شهر أكتوبر تم الإعلان عن ميلاد "الحكومة المستنيرة" وهي التسمية التي أطلقت على الفترة الزمنية التي تلت. اختارت الحكومة الاستقرار في "إيدو" (江戸) والتي تم إعادة تسميتها إلى "طوكيو" أو "العاصمة الشرقية" (東京).

إلى صفحة المحتوى

 
 
 

إلى الصفحة الأولى

Copyright © 1999-2005 Firas Tayyib  البحث، النشر و التصميم فراس الطيب 

 جميع الحقوق محفوظة © 1999-2006 تاريخ الحكام والسلالات الحاكمة - يمنع نسخ أو إعادة نقل المعلومات من الموقع لأغراض تجارية بدون موافقة المشرف، غير أنه يسمح بنسخ و إعادة نقل المعلومات لأغراض شخصية، تربوية أو غير ربحية (تجارية) مع اشتراط ذكر المصدر عند إعادة نقل المعلومة.